شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

الكتب » جامع العلوم والحكم » الحديث الثاني عشر من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 287 ] الحديث الثاني عشر

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه حديث حسن ، رواه الترمذي وغيره .

الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه الترمذي ، وابن ماجه من رواية الأوزاعي ، عن قرة بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنهم ، وقال الترمذي : غريب ، وقد حسنه الشيخ المصنف رحمه الله ، لأن رجال إسناده ثقات ، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل وثقه قوم وضعفه آخرون ، وقال ابن عبد البر : هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات ، وهذا موافق لتحسين الشيخ له ، وأما أكثر الأئمة ، فقالوا : ليس هو بمحفوظ بهذا الإسناد وإنما هو محفوظ عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، كذلك رواه الثقات ، عن الزهري ، منهم مالك في الموطأ ، ويونس ، ومعمر ، وإبراهيم بن سعد إلا أنه قال : " من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه " وممن قال : إنه لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلا الإمام أحمد ، ويحيى بن معين ، [ ص: 288 ] والبخاري ، والدارقطني ، وقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطا فاحشا ، والصحيح فيه المرسل ، ورواه عبد الله بن عمر العمري ، عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فوصله وجعله من مسند الحسين بن علي ، وخرجه الإمام أحمد في " مسنده " من هذا الوجه ، والعمري ليس بالحافظ ، وخرجه أيضا من وجه آخر عن الحسين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه البخاري في " تاريخه " من هذا الوجه أيضا ، وقال : لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلا ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وكلها ضعيفة .

وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب ، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح ، عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال : جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وقوله صلى الله عليه وسلم : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له في الوصية : لا تغضب وقوله صلى الله عليه وسلم : المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه .

ومعنى هذا الحديث : أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال ؛ ومعنى يعنيه : أنه تتعلق عنايته به ، ويكون من مقصده ومطلوبه ، والعناية : شدة الاهتمام بالشيء ، يقال عناه يعنيه : إذا اهتم به وطلبه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس ، بل بحكم الشرع والإسلام ولهذا جعله من حسن الإسلام ، فإذا حسن إسلام المرء ، ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال [ ص: 289 ] والأفعال ، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل عليه السلام .

وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات ، كما قال صلى الله عليه وسلم : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وإذا حسن الإسلام ، اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات ، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها ، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه ، وبلغ إلى درجة الإحسان ، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه ، فإن لم يكن يراه ، فإن الله يراه ، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه ، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه ، فقد حسن إسلامه ، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ، ويشتغل بما يعنيه فيه ، فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه كما وصى صلى الله عليه وسلم رجلا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه . وفي " المسند " والترمذي عن ابن مسعود مرفوعا : " الاستحياء من الله تعالى أن تحفظ الرأس وما حوى ، وتحفظ البطن وما وعى ، ولتذكر الموت والبلى ، فمن فعل ذلك ، فقد استحيا من الله حق الحياء " . [ ص: 290 ] قال بعضهم : استحي من الله على قدر قربه منك ، وخف الله على قدر قدرته عليك .

وقال بعض العارفين : إذا تكلمت ، فاذكر سمع الله لك ، وإذا سكت ، فاذكر نظره إليك .

وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع : كقوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ ق : 16 ، 17 ، 17 ] ، وقوله تعالى : وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين [ يونس : 61 ] ، وقال تعالى : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ( الزخرف : 80 ) .

وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة ( ق ) .

[ ص: 291 ] وفي " المسند " من حديث الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه .

وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل ، فقال : يا رسول الله إني مطاع في قومي فما آمرهم ؟ قال له : مرهم بإفشاء السلام ، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم .

وفي " صحيح ابن حبان " عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام : وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر فيها في صنع الله ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب ، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث : تزود لمعاد ، أو مرمة لمعاش ، أو لذة في غير محرم ؛ وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه ، ومن حسب كلامه من عمله ، قل كلامه إلا فيما يعنيه .

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : من عد كلامه من عمله ، قل كلامه إلا فيما يعنيه . وهو كما قال ، فإن كثيرا من الناس لا يعد كلامه من عمله ، فيجازف فيه ، ولا يتحرى ، وقد خفي هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنؤاخذ بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ؟ .

[ ص: 292 ] وقد نفى الله الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم ، فقال : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ( النساء : 114 ) .

وخرج الترمذي ، وابن ماجه من حديث أم حبيبة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذكر الله عز وجل .

وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري ، فقال سفيان : وما تعجبكم من هذا ، أليس قد قال الله تعالى : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ؟ ( النساء : 114 ) أليس قد قال الله تعالى : يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ( النبأ : 38 ) .

وخرج الترمذي من حديث أنس قال : توفي رجل من أصحابه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - فقال رجل : أبشر بالجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا تدري ، فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه [ ص: 293 ] متعددة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي بعضها : أنه قتل شهيدا .

وخرج أبو القاسم البغوي في " معجمه " من حديث شهاب بن مالك وكان وفد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له امرأة : يا رسول الله ألا تسلم علينا ؟ فقال : إنك من قبيل يقللن الكثير ، وتمنع ما لا يغنيها ، وتسأل عما لا يعنيها .

وخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعا : " أكثر الناس ذنوبا أكثرهم كلاما فيما لا يعنيه " .

قال عمرو بن قيس الملائي : مر رجل بلقمان والناس عنده ، فقال له : ألست عبد بني فلان ؟ قال بلى ، قال : الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا ؟ قال : بلى ، فقال : فما بلغ بك ما أرى ؟ قال صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني .

وقال وهب بن منبه : كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء ، فبينما هما يمشيان في البحر إذ هما برجل يمشي على الهواء ، [ ص: 294 ] فقالا له : يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة ؟ قال : بيسير من الدنيا : فطمت نفسي عن الشهوات ، وكففت لساني عما لا يعنيني ، ورغبت فيما دعاني إليه ، ولزمت الصمت ، فإن أقسمت على الله ، أبر قسمي ، وإن سألته أعطاني .

دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل ، فسألوه ، عن سبب تهلل وجهه ، فقال ما من عمل أوثق عندي من خصلتين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني ، وكان قلبي سليما للمسلمين .

وقال مورق العجلي : أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولست بتارك طلبه أبدا ، قالوا : وما هو ؟ قال : الكف عما لا يعنيني . رواه ابن أبي الدنيا .

وروى أسد بن موسى ، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فدخل عبد الله بن سلام ، فقام إليه ناس ، فأخبروه ، وقالوا : أخبرنا بأوثق عملك في نفسك ، قال : إن عملي لضعيف ، وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر ، وتركي ما لا يعنيني .

وروى أبو عبيدة عن الحسن قال : من علامة إعراض الله تعالى ، عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه ، وقال سهل بن عبد الله التستري : من تكلم فيما [ ص: 295 ] لا يعنيه ، حرم الصدق ، وقال معروف : كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله عز وجل .


الحـــواشي 1  2  3  
السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة